طموحي في عيوني كبير ولا منتهِِ، كعنان السّماء لا يضيق مهما ضيّقته عيون النّاظرين الصغيرة، أحبُّ القراءة والفلسفة، وأدرس الطِّبّ، وأحلم بتقليل الشر والمأساة الّتي يعيشها العالم.. وأعتقد أن السبيل إلى ذلك هو المعرفة!
أعيش حالةً من الوحدة تترك لي وقت فراغِِ خاصّ بي لأدوّن فيه، وها أنا أدّعي أنّ لديّ ها هُنا أو (سيكون لديّ) شيء مُفید ♡

الأربعاء، 21 فبراير 2018

غاية الحياة - مي زيادة

ميّ زيادة


التقت ميّ زيادة الأديبة الّتي قيل فيها: "مثال الفتاة الشرقية الرّاقية والمُثقّفة" بمجموعة من السّیّدات.. وألقت فيهم كلمتها عن "غاية الحياة" قالت فيها:


-1-

"ليست الصعوبة في المجاهدة لنيل غاية عزيزة، وإنما الصعوبة الموجعة على الرجل والمرأة معًا في عدم وجود الغاية، أوجع شيء للمرأة أن تكون مبهمةَ المطالب، والمستقبل أمامها صفحة خاوية خالية ليس فيها بارقة أملٍ ولا كلمة عزاء.. كثيرات هنَّ التَّعِبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمة، فيجرين هنا وهناك هرباً منه مخاطِرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهنَّ أن يذكرنه، ومنهُنّ من لا تطيق البقاء يوماً واحداً بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنّها تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها وجهًا لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزيةٍ وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزًى اجتماعيٍّ أو أخلاقيٍّ، مكتفيةً بتتبع الصلة الغرامية والاستسلام إلى ما يُبديه أبطالُ الرواية من انفعالٍ اصطناعيٍّ مضخَّمٍ، جاهلةً أنها بتطلب ذلك التحريض القهريِّ تُطفئ نور ذهنها وتُضعف من نفسها جميعَ القوى حتى قوة الحب الذي ينتقم من مُهينيه ومُزيفيه انتقاماً صارماً."


-2-

"أرى المرأة في تعاقب العصور ملكة صالحة، وسياسية دقيقة، ومفكرة كاتبة عاملة مصلحة لا يستهان بها، وذات بسالة كبسالة أعاظم الأبطال، ذلك على رغم الجور والاستبداد، فلو أبدلناها بالرجل وعاملناه بمثل ما عاملها، فحرمناه النور والحرية دهوراً فأي صورة
هزلية يا ترى يبقى لنا من ذيّاك الصنديد المغوار؟"



"على المرأة أن تكون جميلةً أنيقةً دمثة لينة متعلمة قوية الجسم والنفس ماضية العزيمة.. عليها أن تصون ذاتيتها الفردية، بينما هي تصطبغ بصبغة محيطها وتراعي ميوله لتحفظ توازن السرور والانشراح في البيت الذي يحبها وتحبه، عليها أن تأتي بالأولاد وتتعهدهم جسماً وعقلاً وروحاً.. عليها أن تكون عارفةً بأساليب الاقتصاد والتدبیر.. عليها أن تحافظ على وفاق الأسرة وسلامها وأن تنشئ علاقات تآلف بین أسرتها وأسر الأصحاب والمعارف وغیرهم ممن تُدنيها منهم المصلحة أو أي شأن من الشؤون، فكأنّها بذلك وزيرة داخليّة ووزيرة خارجيّة ووزيرة معارف ووزيرة مواصلات ووزيرة مستعمرات ... إلخ، هذه الأعمال التي توزّع على نخبة من أفضل رجال الأمة وأقواهم تُلقى جميعاً على عاتق امرأة واحدة تقوم بإتقانها على قدر المُستطاع، ثم يعودون فيقولون: إنّها «ضعيفة».
صدّقوا، هي ضعيفة ولكن إزاء نفسها الفائضة بالعواطف الرجراجة الصاخبةُ المستعمرة، ضعيفة بأعصابها الدّقيقة السّريعة التّأثُّر وباستعدادها لتشرُّب الألم واستيعابه إلى درجة لا يتصوّرها من لم يكن امرأة.."


-3-

"لا سبيل للمرأة غير العمل، العمل الذي يُنير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعما لذيذاً، ويروّح النفس الواجمة، ويرضي الطباع السّاخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أي عمل ينتظر يداً تقوم به، وكل عمل تشعر من نفسها بميل جدي إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بین نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهري هو الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغیراً حقیراً، ولكن لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى العمل؛ لأن كل عمل شريف في ذاته.."



-4-

"إذا أحبت المرأة ذاتها حُبّاً رشيداً كانت لنفسها أباً وأماً وأختاً وصديقة ومُرشِدة، وأنمت ملكاتها بالعمل، وضمنت استقلالها بكفالة عيشتها؛ لأنّ الأهل الذين تتّكل عليهم قد يموتون، وللإخوة والأخوات عائلاتهم وسبلهم في الحياة، والأصدقاء يتغيّرون وينسون، والثّروة الطّائلة قد تنقلب هباءً، أمّا هي فلا تخون ذاتها ولا تنسى ذاتها ولا تفقد ذاتها، والثّروة کلّ الثروة في الإباء والاستقلال الفردي وتعاطي عمل ما بجد واهتمام وبراعة، والأعجوبة أنّ هذا العمل الذي نباشره؛ هرباً من الملل، ورغبةً في قتل الوقت، لا يلبث أن يصبح ذا شأن كبیر ويعني لنا غاية عظيمة مُشیراً إلى وسيلة الحصول عليها، بل لا أعجوبة في ذلك ما دام العمل الکبیر مجموع تفاصيل صغیرة دقيقة، أليس أنّ الجوامع الأثريّة البديعة، والمآذن الهيفاء الباذخة إنّما برزت وثبتت بتناسُق الحجر قرب الحجر؟ أو ليس أنّ العلَم الّذي تتفيَّأ بظلّه أماني الأمة ورغباتها إنما نسج من خيوط واهية، يكاد يكون كلّ منها بلا أهمية في ذاته؟
كذلك فلتكن مجموعة أعمالنا غايةً جليلةً نقوم بها عاليات الجباه تحت أكاليل العزم والجهاد، وقد اختفت من عيوننا خيالات الخضوع والمسكنة، وحلَّت محلها نظرة من هي لم تعد عبدة المُجتمع، ولا عبدة الحاجة، ولا عبدة الرّجُل، ولا عبدة قلبها وهو أعظم جائر مُستبدّ، بل نظرة من أصبحت سيّدة نفسها.. تُطيع مُختارة، وتعمل مُختارة بهدوء من فاز أو قُدِّر له أن يفوز في الحياة، فتكتشف عند كل خطوة جمالاً جديداً وتفرح كل يوم كأنّها خُلِقت خلقاً جديداً. "





ليست هناك تعليقات:

قالب تدوينة تصميم بلوجرام © 2014