Ayat Al Mahdi ♡

طموحي في عيوني كبير ولا منتهِِ، كعنان السّماء لا يضيق مهما ضيّقته عيون النّاظرين الصغيرة، أحبُّ القراءة والفلسفة، وأدرس الطِّبّ، وأحلم بتقليل الشر والمأساة الّتي يعيشها العالم.. وأعتقد أن السبيل إلى ذلك هو المعرفة!
أعيش حالةً من الوحدة تترك لي وقت فراغِِ خاصّ بي لأدوّن فيه، وها أنا أدّعي أنّ لديّ ها هُنا أو (سيكون لديّ) شيء مُفید ♡

السبت، 17 مارس 2018

أنت مُتفرّد جدّاً!



فكّرتُ في 2017:
الغارقُ في هذه الحتميّات ، في هذه السيناريوهات الّتي تنسخ نفسها .. لا يملكُ زِمام أمره
" الرّغباتُ تُحدّد الأولويّات "
سأصبح ثريّاً ، سأصير طبيباً ، سأكتب لأكون موجوداً ، أنا موسيقي ! أنا صوفي ، أنا نباتيّ ، أنا مُلحد
ما نحن إلا ذلك ..



وكتبتُ في 2018:
نحنُ مُتفرِّدون جدّاً ، ومميّزون ..
أنتَ طريقتُك في خياطةِ الجرح ، إبداعُك في وصفِ الفراغ ، قدرتُك على عزف لحن ساحر لم يعزفه أحد بطريقتك ..
رقصةُ جسدك الّذي لا يُماثل أي جسد آخر .. الطريقة التي تتحدّث بها فتبتكر الحروف ، أنت رقم مئة في رواية نكتة ذاع صيتها (متفرد لأن من يرويها بعدك سيكون المئة وواحد) .. أنت ابتسامة وجهك الّذي لم يكن له مثيل منذ بدء الوجود .. سخريتُك من الأزمات ، طريقتك في التّعبير عن الضجر .. اندفاعُك إلى من تحبّ ، ذكاؤك الذي يحلّ الألغاز ، وغباؤك الّذي يوقعك دائماً في الورطات .. ما تُفضِّله من الطّعام ، وما ترتديه من الأزياء ..
أنت مُتفرِّد حتّى عندما لا ترتدي شيئاً .. بالطّريقة التي تستلقي بها .. وبالجُرأة الّتي تتعامل فیها مع حقيقتك .. مع أمراضك ، مع وساوسك .. ومُتفرّد حتى عندما لا تملك شيئاً لتأكله .. فتُعبّر عن جوعك بأُغنية ، أو قصيدة ، أو بنظرة حزن ..

كُلُّ ما أنت عليه يجعلُك مُتفرِّداً ! حتّى لو كنت مُصِرّاً على اتّباع قطيع ..

الأربعاء، 21 فبراير 2018

غاية الحياة - مي زيادة

ميّ زيادة


التقت ميّ زيادة الأديبة الّتي قيل فيها: "مثال الفتاة الشرقية الرّاقية والمُثقّفة" بمجموعة من السّیّدات.. وألقت فيهم كلمتها عن "غاية الحياة" قالت فيها:


-1-

"ليست الصعوبة في المجاهدة لنيل غاية عزيزة، وإنما الصعوبة الموجعة على الرجل والمرأة معًا في عدم وجود الغاية، أوجع شيء للمرأة أن تكون مبهمةَ المطالب، والمستقبل أمامها صفحة خاوية خالية ليس فيها بارقة أملٍ ولا كلمة عزاء.. كثيرات هنَّ التَّعِبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمة، فيجرين هنا وهناك هرباً منه مخاطِرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهنَّ أن يذكرنه، ومنهُنّ من لا تطيق البقاء يوماً واحداً بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنّها تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها وجهًا لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزيةٍ وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزًى اجتماعيٍّ أو أخلاقيٍّ، مكتفيةً بتتبع الصلة الغرامية والاستسلام إلى ما يُبديه أبطالُ الرواية من انفعالٍ اصطناعيٍّ مضخَّمٍ، جاهلةً أنها بتطلب ذلك التحريض القهريِّ تُطفئ نور ذهنها وتُضعف من نفسها جميعَ القوى حتى قوة الحب الذي ينتقم من مُهينيه ومُزيفيه انتقاماً صارماً."


-2-

"أرى المرأة في تعاقب العصور ملكة صالحة، وسياسية دقيقة، ومفكرة كاتبة عاملة مصلحة لا يستهان بها، وذات بسالة كبسالة أعاظم الأبطال، ذلك على رغم الجور والاستبداد، فلو أبدلناها بالرجل وعاملناه بمثل ما عاملها، فحرمناه النور والحرية دهوراً فأي صورة
هزلية يا ترى يبقى لنا من ذيّاك الصنديد المغوار؟"



"على المرأة أن تكون جميلةً أنيقةً دمثة لينة متعلمة قوية الجسم والنفس ماضية العزيمة.. عليها أن تصون ذاتيتها الفردية، بينما هي تصطبغ بصبغة محيطها وتراعي ميوله لتحفظ توازن السرور والانشراح في البيت الذي يحبها وتحبه، عليها أن تأتي بالأولاد وتتعهدهم جسماً وعقلاً وروحاً.. عليها أن تكون عارفةً بأساليب الاقتصاد والتدبیر.. عليها أن تحافظ على وفاق الأسرة وسلامها وأن تنشئ علاقات تآلف بین أسرتها وأسر الأصحاب والمعارف وغیرهم ممن تُدنيها منهم المصلحة أو أي شأن من الشؤون، فكأنّها بذلك وزيرة داخليّة ووزيرة خارجيّة ووزيرة معارف ووزيرة مواصلات ووزيرة مستعمرات ... إلخ، هذه الأعمال التي توزّع على نخبة من أفضل رجال الأمة وأقواهم تُلقى جميعاً على عاتق امرأة واحدة تقوم بإتقانها على قدر المُستطاع، ثم يعودون فيقولون: إنّها «ضعيفة».
صدّقوا، هي ضعيفة ولكن إزاء نفسها الفائضة بالعواطف الرجراجة الصاخبةُ المستعمرة، ضعيفة بأعصابها الدّقيقة السّريعة التّأثُّر وباستعدادها لتشرُّب الألم واستيعابه إلى درجة لا يتصوّرها من لم يكن امرأة.."


-3-

"لا سبيل للمرأة غير العمل، العمل الذي يُنير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعما لذيذاً، ويروّح النفس الواجمة، ويرضي الطباع السّاخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أي عمل ينتظر يداً تقوم به، وكل عمل تشعر من نفسها بميل جدي إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بین نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهري هو الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغیراً حقیراً، ولكن لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى العمل؛ لأن كل عمل شريف في ذاته.."



-4-

"إذا أحبت المرأة ذاتها حُبّاً رشيداً كانت لنفسها أباً وأماً وأختاً وصديقة ومُرشِدة، وأنمت ملكاتها بالعمل، وضمنت استقلالها بكفالة عيشتها؛ لأنّ الأهل الذين تتّكل عليهم قد يموتون، وللإخوة والأخوات عائلاتهم وسبلهم في الحياة، والأصدقاء يتغيّرون وينسون، والثّروة الطّائلة قد تنقلب هباءً، أمّا هي فلا تخون ذاتها ولا تنسى ذاتها ولا تفقد ذاتها، والثّروة کلّ الثروة في الإباء والاستقلال الفردي وتعاطي عمل ما بجد واهتمام وبراعة، والأعجوبة أنّ هذا العمل الذي نباشره؛ هرباً من الملل، ورغبةً في قتل الوقت، لا يلبث أن يصبح ذا شأن كبیر ويعني لنا غاية عظيمة مُشیراً إلى وسيلة الحصول عليها، بل لا أعجوبة في ذلك ما دام العمل الکبیر مجموع تفاصيل صغیرة دقيقة، أليس أنّ الجوامع الأثريّة البديعة، والمآذن الهيفاء الباذخة إنّما برزت وثبتت بتناسُق الحجر قرب الحجر؟ أو ليس أنّ العلَم الّذي تتفيَّأ بظلّه أماني الأمة ورغباتها إنما نسج من خيوط واهية، يكاد يكون كلّ منها بلا أهمية في ذاته؟
كذلك فلتكن مجموعة أعمالنا غايةً جليلةً نقوم بها عاليات الجباه تحت أكاليل العزم والجهاد، وقد اختفت من عيوننا خيالات الخضوع والمسكنة، وحلَّت محلها نظرة من هي لم تعد عبدة المُجتمع، ولا عبدة الحاجة، ولا عبدة الرّجُل، ولا عبدة قلبها وهو أعظم جائر مُستبدّ، بل نظرة من أصبحت سيّدة نفسها.. تُطيع مُختارة، وتعمل مُختارة بهدوء من فاز أو قُدِّر له أن يفوز في الحياة، فتكتشف عند كل خطوة جمالاً جديداً وتفرح كل يوم كأنّها خُلِقت خلقاً جديداً. "





الجمعة، 16 فبراير 2018

خطوط عريضة ♡




إن السّماءَ واسعة كثيراً ليستمدَّ البشريُّ منها معان في الحياة والحُرّيَّة..
يا زينبُ إنّك لا تدرين كم أخاف أن يُقال عنّي يوماً "ماتت قبل أن تعيش"، ولا تدرين ما الّذي أطلبُهُ من العالم لأعُدَّ نفسي ناجيةً من السّير بخطّ مواز لحياة لم تمسَّني أو أمسّها..

فلتعلمي يا زينبُ ثلاثاً:
أنّني قد سئِمتُ ذاك الّذي يقول: أفكارُك بالغة التّعقيد، اذهبي بها إلى ما ينفعُك، ولا تتعمّقي بما ليس لكِ به شأن فتغرقي..
وأنّني قد تعبتُ من ذاك الذي يحاول قصَّ جناحَيّ بمقصّ تزمُّتِهِ أو يقضُّ من حديد دماغِهِ قَفَصاً يُطوِّق عنقي به..
وأنّني ضقت ذرعاً بذاك الذي يتدخّل في شؤوني أو يعطيني رأياً لم أطلبه أو يسأل عن أمر لا يخصُّه.

وعليك أن تعرفي ثلاثاً:
أنّ الأوّل لا يقولُ ذلك إلا لأنّه مُسرف في البساطة، قاصر في إدراكه.. بعيد عن سُبُل المعرفة..
وأنّ الثاني يُحارِبُ حُرّيتي لسببين، الأوّلُ لأنّ فارقاً في الشّجاعة بيننا جعل أحدنا يطلب الحرّيّة والآخر يُحارِبها ليهنأَ في طمأنينة العبوديّة.. والثّاني لأنّ فارقاً في العلم جعل أحدنا يرنو إلى منازل أرفع.. والآخر يقبعُ في منزلته ويخشى أن يترفّع غيره عنه.
وأنّ الثّالث يتدخّل في شؤوني لِصغر شؤونه عنده، ولا يُعطيني رأيه إلّا لاهتمامه بمعرفتي رأيه، ولا يسألُ عن أمر لا يخصّه إلّا لأنّه قد ضيّع حدوداً بيني وبينه.. ويُمكِن أن يفعل كلّ ذلك لأسباب تماثل أسباب الثّاني..
افهمي يا زينبُ.. أنّني وبكلّ صدق، لا أريد أن يُقال ماتت قبل أن تعيش ..  وما أطلبُهُ ليس تعجيزيّاً أو مُستحيلاً، أريد أن أمتلكَ الحقّ في أن أُفكِّر وأفكِّر وأحطّ أينما یرسو بي التّفكير، من غير مُحاسِب أو مُعاتِب..
وأريدُ الحقَّ في أن أرتديَ ألوان الحياةِ بلا مُدقِّق أو مُحقِّق..
وأريدُ ألا يخترقَ أحد خصوصيّتي، المسافة الّتي أتركها بيني وبين نفسي، بيني وبين ضميري، أريدُ حقّاً ألا يسترقَ أحد النّظر في كُتُبي، أو يقتحمَ دفاتر مُذكّراتي.. وألّا أخضعَ لأيّ أمر.. وألّا أُقيَّد بأيّ قيد.. عليك أن تفهمي أنّني لن أشتريَ حبلاً أُطوِّق به عُنُقي يوماً..
وأنّني حُرّة في أن أُحبّ الله وألّا أخافَه، ولك أن تخافي الله ولا تُحبّينه، وللآخرين أيضاً..
ولي أن لا أقدِّسَ الحجرَ والشّجر والبشر، ولك أن تُقدِّسي ما شِئتِ ومن شئتِ مِمّن يُخطِّطون مسار حياتك بقلم فحم أسود على شكل قضبان أفقيّة وعموديّة..
والسّلامُ يا زينب، لا شيء غيرُ السّلام..


الأربعاء، 14 فبراير 2018

حُلُم عابر ..

حُلُم عابر ..

وَقَفَ على حافّة طريقي الواسع.. ضائعاً مهزوماً، ومُتظاهِراً بأنّه قادر على هزيمتي.. راغباً في التّصريح عن أنه سينجو منّي لو أراد النّجاة..


من قال أنّه في خطر؟ .. كنتُ أتطلّعُ إلى أن يفهم أنّنا لسنا في معركة.. وأنّ السّلام الّذي يظهرُ على وجهي للمُحدِّق فيه لهو الحقيقة كُلّها.. وأنّ عينيّ اللتين اکتنزتا أسراراً وسبرتا أغواراً.. لن يُعجِزَهُما كتمانُ سرّه الجميل.


في داخلي صمت أنيق يعزل عن أُذُنيّ وقعَ المطر المُنهمر، لكنّ الأشياء المُتحرِّكة من حولي دليل على أنّ الضجيج يحفُّ المكان، المارّة تُمعِنُ النّظر فيّ كما العادة.. وكلّ شيء عاديّ وطبيعيّ ومُتكرِّر إلّا هذا المارّ.. لم يكن عادياً أو مُتکرِّراً.


نظرتُ إلى وجهِهِ المُدوَّر اللّطيف.. ذاك الوجهُ يفيضُ عذوبةً وصدقاً، كان مُحبَّباً وكَريماً كنهر قامت على ضِفّتيه حضارات وحضارات..

بلی.. أستطيعُ قراءته.. قراءة سُطُوره تؤكّد لي أنّ اهتمامَه بي اهتمام بدائيّ غيرُ مضبوط، يسيرُ بطريقة توحي أنّه الرّجل الأصدق بين هؤلاء جميعاً .. الكذب يحتاج إلى تخطيط، لكنّ هذا الجميل كان حيراناً في مشيته .. يسري دونما خُطَّة .. قدماه تُحرِّكانه بأمر من قلبه .. ولهذا تدعوه نظراتي ليدنوَ أكثر كُلّما مرّ..


يدنو كإله رحيم، يكاد يلمِسُ قلبي بعينيه.. يُحدِّقُ بي وكأنّي أعجوبة..  يريد أن ينطقَ بالغزل.. لكنّني موصدة من الدّاخل كباب قلعة حديديّ، يمدُّ يديه إلى داخلي المُقفَل.. يُدرِكُ أنّه مُقفل وسيظلُّ مُقفلاً.. لذا يُقرِّر كما كل مرّة.. ألّا ينهزمَ أكثر..

 ويبتعد!


تأتي صفعةُ الواقع حارّةً حارِقةً وتنزل على وجهي، تُذيبُ جليد الطّریق الواسع کله، لتؤكّد لي أنه كالآخرين .. قد يقترب مني کثیراً ليُصبحَ قريباً جداً.. مثل طباع نألفها.. ثم يبتعد أكثر ويصبح غريباً غريباً.. مثل لغة لا نعرفها.. وقد يتبيّن أنه منذ البداية كان عادياً وباهتاً وهزيلاً إلى حدّ أنّه لم يجرؤ على الاقتراب.


صحوت من سكرتي على مهل، عاد صوت ماجدة الرّومي یتسرّبُ من سماعات هاتفي ويصبُّ في رأسي، تقول: " كُن صديقي.. كُن صديقي.. إن كل امرأة تحتاجُ .. تحتاجُ .. إلى كفِّ صديق ..  "..

ليتهُ يُصادِقُني.. كلماتك أيتها المُغنّية الجميلة تصطدم بواقعي.. وقد تُفسِد ما فيه من برود، عليّ أن أنبذها قبل التورُّط في الحلم...


أنتزع السّمّاعات من أذني، لقد صار في الخلف إذاً .. ذهب بجهة رياح اليوم الباردة، رحل سريعاً دون أيّ التفات.. مثل هنديّ عجوز ادّعی أنّ أعلى درجات الحكمة باتت في حوزته فترك كل ما ورائه من ضلالات، ها قد صرنا وراءه.. أنا وضلالات أحلامي..

والآن سيعود كبدويّ مُطيع رأى في طرقه لأبواب الجميلات الموصدة خيانة لمبدأ أجداده.. وسيُجدِّد ولاءه  لعشيرته.. كما الآخرين.

السبت، 10 فبراير 2018

ولا حتّی فراشة!


ولا حتّی فراشة!

كانت جدراناً أربعة صغيرة إلى حدِّ أنّ الوجود بينها خانق جداً لا يتّسع إلى إنسانِِ كامل، وعليها عُلِّقَت ساعة تتحرّك عقاربها ببطء لأختنقَ على مهَل، كانت السّاعة تضحك منّي، وتمتدُّ إليّ مِنَ الجُدران أيادِِ تُشبه الكمّاشات تتبارى للوصول إلى عُنُقي.. 
كُلّما نفد الهواء أكثر شعرت باقتراب الجُدران منّي أكثر، لم أنتبه إليها إن مسَّت جلدي أم لا.. لكنّها حتماً كانت تسحقُ كرامتي وكبريائي..
ولهذا السّبب كنت أصرخ وأبكي..
لو أنّها مسألة جلد ما بكيت، لكني بكيتُ كُلّ كيان أملكه.. 

انكمشتُ على بعضي، وبكيت كمسخ لا يعرف على هذه الأرض أحداً ..
اصتكاك أسناني كان يؤكّد أنّني في حالة هيستيريا شديدة، وكانت تخرج من عُنُقي حشرجات لا تشبه إلّا حشرجات المسوخ وأولئك المُعذّبين الّذين نشبت حرائق واسعة وعميقة في أجسادهم.. 
الّذي نشب فيّ هو كرامتي.. الهواء نفد ولكنّني لا أشعر بضيق في رئتيّ، لم أعرف كم مرّة غططت في غيبوبة بسبب انقطاع أنفاسي، وكان الحريق في كرامتي يمتدّ ويمتدّ كما لو أنّها عضو حقيقي منّي، عرفتُ أنّ الكرامة هي كلّ شيء نبكي على فقده نحن المسوخ..
أخبرت من دفعني داخل الجدران بأنّني أُفضِّل الموت على أن يُذبح كياني، لكنّهم ضحكوا.
ضحكوا لأنهم اعتادوا الظلم، ولأنّهم مجرمون، ولأنّهم عديمو الشّفقة، ولأنّ ما أهتم لأمره من "الكرامة والكيان" لم يشعروا به يوماً، ولأنّهم صبّوا تركيزهم على الجدران لا على ما أقول..
ومع ذلك؛ فقد قلت لهم كلّ شيء، ما جال في رأسي، وما فكرت به في حياتي، وما فعلت وما سأفعل.. وأخبرتهم أنّني يوم أخرج من الجدران لن أعود إليها أبداً، وأنّني لن أتذكّرَهم أبداً.. ثمّ تمنّيت لهم جحيماً بلا منقذ أو رحيم.. 
وقلت أشكوكم لمن؟ 
لم أنظُر عندها إلى السماء، فلا حاجة لي بالسّماء، لقد فهموا أنني لا أؤمن بآذان السّماء..
وشعرت برغبة عميقة تعودُ لملايين السّنين وتدفعني لأؤمن بالأرض..
أغلقت عينيّ بقوّة كان يُمكِن أن أفقدَ قدرتي بعدها على فتحهما إلى الأبد، ثم توسَّلتُ إلى كُلّ عدل على هذه الأرض، وشعرت أنّني مددت كياني ونشرتُ وجودي حتّی وصل إلى كلّ من يُشبِهني، يا أرض!! حرّيتي وكرامتي يا أرض! 
وبكامل الذُّلّ والتسليم قلت لهم أنِ اخنقوني، اخنقوني كيفما شِئتُم!
ويوم أخرج لن أعود أبداً..


ملاحظة: قد يعتقدُ الّذي يقرأ بأنه عرف عن حياتي أمراً كبيراً، وهو بالفعل أمر كبير بالنسبة لي وخاص جداً، لكنّ القضية كلها أنني في لحظة "تصريح".. بما تحمل هذه اللحظات من قدسيّة وصدق.. أنا لم أكتبها إلا لنفسي، ولم أزد عليها شيئاً بعد أن كتبتها لنفسي.. بالإضافة إلى أنّني بتُّ أجد أنّ تجميل الجُدران عار كبير، وللتذكير؛ فإنّ لدينا كلنا جدران تحيط بنا، لكن شعوري بالحرية ضخم جداً، ومتمرد جداً.. وبدائي جداً.. ولهذا يُقدِّم نفسه للجميع بلا مقدمات ولا تمهيد ولا تهذيب.. وبلا أيّة اعتبارات.



الجمعة، 9 فبراير 2018

حرية الفكر وأبطالها في التاريخ - سلامة موسى



حرية الفكر وأبطالها في التّاریخ - سلامة موسى
كتاب سلامة موسى هذا قرأته أوّل مرّة بصيغة pdf، ولشدّة إعجابي به وحُبّي له تطلّعتُ إلى اقتنائه ورقيّاً.. فبحثتُ عنه في ما عرفتُ من مكتبات دمشق.. وأوصيت أيضاً عليه من بيروت، لكنّ أحداً لم يستطع مُساعدتي، حتّی عثَرَت عليه صديقتي في مكتبة قديمة لصديق عائلتها وأهدتني إيّاه في عيد ميلادي العشرين، فكان فرحي به شديداً لا يوصَف.

وقرّرتُ أن أكتُب فيه مُراجعة، أو هي بالأحرى مُلخّص لأغلب ما جاء فيه، وأفعل ذلك لسببين اثنين، الأوّل تقدير منّي لهذا الكاتب ولكتابه، والثّاني لأنّ الموضوع الأكبر الّذي يعنيني وأؤمن به وأتطلّعُ إليه هو موضوع حُرّيّة الفكر.. وموضوع المُفکّرين الأحرار، وسأقوم بتلخيصه على أجزاء، محاولةً الالتزام بلغة ومفردات الكاتب قدر الإمكان، آمِلَةً أن يُغيّر فینا شیئاً.


وللتّعريف بالكاتب:
سلامة موسى (1958 - 1887) مواليد القاهرة، رائد الاشتراكية المصريّة ومن أول المروّجين لأفكارها، عُرِف عنه اهتمامه الواسع بالثقافة، واقتناعه الرّاسخ بالفكر كضامن للتّقدُّم والرّخاء، تتلمذَ على يديه نجيب محفوظ الّذي يُؤثَر عنه قوله له "عندك موهبة كبيرة، ولكنّ مقالاتك سيئة" الأمر الّذي دفع نجيب محفوظ إلى العناية في انتقاء مواضيعه.
قرأ لفولتير وتأثر بكارل ماركس وبتشارلز داروين في نظريته في النّشوء والارتقاء.
ويُمكن تلخيص فكره في العقلانيّة والاشتراكيّة والعلمانية والدّيمقراطية وتحرير المرأة.

أصدر حوالي 40 كتاباً وكتب الكثير من المقالات، ويُذكر أنّه استعمل كلمة ثقافة ترجمة لكلمة Culture لأوّل مرة في اللغة العربية الحديثة.



ُابتدأ موسى الكتاب في قصّة صغيرة جميلة في البداية وتصلُح كمدخل جذّاب جدّاً لموضوعه، ثمّ أتبعها بمقدمة بسيطة وتلاها مادّة الكتاب على ثلاثة أجزاء.

الجزء الأوّل عن حُرّيّة الفكر في العصور القديمة، كيف بدأ الفكر مع الإنسان القديم، وحال حرّيّة الفكر لدى الإغريق وأشهر فلاسفتهم وما أتوا به للحضارة القديمة ومصائرهم المُتشابهة...
وكذلك عن الحُرّيّة الفكریّة في المسيحية والإسلام ولدى شعوب وثقافات أخرى، ويقصّ بحياديّة كبيرة مواقف وأحداث كفيلة بإعطائنا صورة واضحة وموضوعيّة وشاملة لما عاشته الشّعوب وما مرّ به الفكر البشري من قمع الوجود البشري ذاته.
الجزء الثّاني حول حُرّیّة الفكر في العصر الحديث، وعن عصر النّهضة ونشوء البروتستانتية والثّورة الفرنسيّة وغير ذلك الكثير.
الجزء الثّالث كتبه في تبرير الحرية الفكرية، وأعتقد أنّه خِتام مناسب جداً ورائع جداً.


ومِمّا جاء في أوّل كتابه:

"لم نسمع قطُّ أنّ إنساناً تقدّم للقتل راضياً أو كدّ نفسه حتى مات لأجل أكلة شهيّة يشتهيها أو عقار يقتنيه، وإنّما سمعنا عن أُناس عديدين تقدّموا للموت من أجل عقيدة يؤمنون بها ولم یُقرّهم عليها الجمهور والحكومة، وهذا يعني أنّ شهوة التطوّر في نفوسنا أقوى كثيراً من شهوة المال والطّعام!
ومع ذلك فإنّ التّاریخ يثبت أنّ معظم الّذين باحوا بما في صدورهم ممّا اعتقدوه حقيقةً نالوا من الاضطهاد بالتّعذيب والقتل والحبس الشّيء الكثير.. ترى وما عِلّة ذلك؟
العلة الأولى هي أنّ النّاس مطبوعون على الكسل والاستنامة إلى ما ألِفوه من العادات الفكريّة والعمليّة، والثّانیة أنّ المصلحةالمعاشيّة والماليّة كثيراً ما تكون مُتعلّقة بالعادات المعروفة، والثّالثة الجهل؛
فالّذي يجهل نظريّة التطور يكره المؤمنین بها، والّذي يجهل اللُّغات الأوروبية يقول أنّ العربيّة أفصح اللغات..
والعِلّة الرّابعة هي الخوف من إطلاق الذّهن. "


ولئلّا يفوتکم توضيحاً مُهِمّاً ذكره موسى في مقدمته؛ أذكر أنه قد قال فيه: الدّين لا يُمكِن له بحال من الأحوال أن يقمع الفكر، بل إنّ الكهنة ورجال الدين والسلطة الدينية.. هم الّذين يمارسون القمع..
ويستشهد بقول ميكافيللي في كتابه "الأمير" أنّ على الحاكم حماية الدين ولو كان هو نفسه لا يؤمن به، لأنّ الدّین يعاونه على حُكم الجماهير وتثبيت سلطانه.


يتبع.. 


الجمعة، 2 فبراير 2018

كتاب يوميّات امرأة لا مُبالیة - نزار قبّاني


لدى الشّاعر نزار قبّاني من جميل الشّعر ما دفعني لأترك ما عليّ من واجبات دراسيّة وأبدأ بالتّدوين.. 

وأبدأ في ما ابتدأ به نزار في كتابه "يوميّات امرأة لامُبالیة" بقوله:

 " ثُوري ! . أحبُّكِ أن تثُوري .. 
ثُوري على شرق السبايا .. والتكايا .. والبخُورِ 
ثُوري على التاريخ، وانتصري على الوهم الكبيرِ
لا ترهبي أحداً .. فإن الشمس مقبرةُ النسورِ
ثُوري على شرقٍ يراكِ وليمةً فوقَ السريرِ. "


ثمّ حكى قصة اليوميات التي أطلب منكم تحميل الكتاب وقراءتها في أقرب فرصة (سأُرفِق رابطاً للكتاب في آخر المدوّنة)..


وقال:


من أجل ماذا كتبت "اليوميات" من أجل من ؟

من أجل الحرية.

كتابي هو كتاب الحرية.


إذاً.. فقد كتب قصيدته للحرية.. وقد تقدّمها مقطع يقول فيه:


أنـا أنثـى .. أنـا أنثـى .. 

نـهار أتيت للدنيـا وجدتُ قرار إعدامي .. 
ولم أرَ بابَ محكمتي و لم أرَ وجهَ حكّامي .. 

وأتبعهُ بمقاطع حِرت أيّها أختار، فدوّنت أقربها إلى قلبي!


- نزلت إلى حديقتنا.. أزور ربيعها الراجع 
عجنت ترابها بيدي..حضنت حشيشها الطالع
رأيت شجيرة الدراق.. تلبس ثوبها الفاقع 
رأيت الطير محتفلاً.. بعودة طيره الساجع 
رأيت المقعد الخشبي.. مثل الناسك الراكع 
سقطت عليه باكيةً .. كأني مركبٌ ضائع ... 
أحتى الأرض يا ربي ؟ 

تعبر عن مشاعرها بشكلٍ بارعٍ .. بارع 
أحتى الأرض يا ربي ؟ لها يومٌ .. تحب به .. 
تبوح به.. تضم حبيبها الراجع 
رفوف العشب من حولي .. لها سببٌ .. لها دافع 
فليس الزنبق الفارغ.. وليس الحقل ،

ليس النحل ، ليس الجدول النابع
سوى كلمات هذي الأرض .. غير حديثها الرائع ... 
أحس بداخلي بعثاً..

يمزق قشرتي عني .. ويسقي جذري الجائع ..
 ويدفعني لأن أعدو.. مع الأطفال في الشارع 
أريد .. أريد أن أعطي..

كأية زهرةٍ في الروض تفتح جفنها الدامع 
كأية نحلةٍ في الحقل تمنح شهدها النافع 
أريد .. أريد أن أحيا

بكل خليةٍ مني.. مفاتن هذه الدنيا .. 
بمخمل ليلها الواسع.. وبرد شتائها اللاذع 
أريد .. أريد أن أحيا .. 
بكل حرارة الواقع 
بكل حماقة الواقع ...


       ****


أحبُّ طیورَ تشرينِ ..
أحبُّ أضيعُ مثل طيور تشرينِ ..
بينَ الحينِ والحينِ ...
أريدُ البحثَ عن وطنٍ ..جديدٍ .. غير مسكونِ
وربٍ لا يطاردني
وأرضٍ لا تُعاديني
أريدُ أفرُّ من جِلْدي ..
ومن صوتي .. ومن لغتي
وأشردُ مثلَ رائحة البساتينِ
أريدُ أفرُّ من ظلَّي.. وأهربُ من عناويني..

أريد أفرُّ من شرق الخرافة والثعابينِ ..
من الخلفاء .. والأمراء ..
من كل السلاطين ..
أريد أحبُّ مثل طيور تشرينِ ..
أيا شرقَ المشانقِ والسكاكينِ ...


    ****


خرجتُ اليوم للشّرفة على الشّباك جارتنا المسيحيّة تحيّيني
فرحتُ لأنّه إنسانٌ يحيّيني
لأنّ يداً صباحيّة .. يداً كمياهِ تشرينِ
تلــوّحُ لي تنـاديني
أيا ربّي متى نُشفى تُرى من عقدةِ الدّينِ ؟
أليسَ الدّين كلّ الدّين إنساناً يحيّيني
و يفتحُ لي ذراعيهِ و يحملُ غصنَ زيتونِ



    ****

أقمنا نصف دنيانا.. على حكمٍ وأمثالِ
وشيّدنا مزاراتٍ .. لألفِ .. وألفِ دجَّالِ ..
وكالببغاءِ .. ردَّدنا مواعظ ألفِ مُحتالِ ..
قصدنا شيخَ حارتنا ليرزقنا بأطفالِ
فأدخلنا لحجرته.. وقام بنزع جُبَّتِهِ
وباركنا.. وضاجعنا
وعند الباب ، طالبَنَا بدفع ثلاث ليراتٍ
لصنع حجابه البالي .. وعُدْنا مثلما جئنا
بلا ولد .. ولا مالِ

    ****

لماذا في مدينتنا.. نعيش الحب تهريباً وتزويراً ؟
ونسرق من شقوق الباب موعدنا
ونستعطي الرسائل والمشاويرا
لماذا في مدينتنا.. يصيدون العواطف والعصافيرا؟
لماذا نحن قصديرا ؟
وما يبقى من الإنسان، حين يصير قصديرا ؟
لماذا نحن مُزدوَجون إحساسا وتفكيرا ؟
لماذا نحن أرضيّون .. تحتيون .. نخشى الشمس والنورا ؟
لماذا أهل بلدتنا يمزقهم تناقضهم
ففي ساعات يقظتهم.. يسبون الضفائر والتنانيرا

وحين الليل يطويهم، يضمون التصاويرا

   ****


أُسائل دائماً نفسي
لماذا لا يكون الحب في الدنيا لکلّ الناس؟
كل الناس.. مثل أشعة الفجر
لماذا لا يكون الحب مثل الخبز والخمر ؟
ومثل الماء في النهر
ومثل الغيم ، والأمطار، والأعشاب والزهر
أليس الحب للإنسان عمراً داخل العمر ؟
لماذا لايكون الحب في بلدي طبيعياً

كلقيا الثغر بالثغر؟
ومنساباً.. كما شعري على ظهري
لماذا لا يحب الناس في لين وفي يسر ؟
كما الأسماك في البحر
كما الأقمار في أفلاكها تجري
لماذا لا يكون الحب في بلدي ضرورياً كديوان من الشعر؟!




وأختتم أخيراً في هذا المقطع:


أنا طروادة أخرى
أقاوم كل أسواري
وأرفض كل ما حولي .. ومن حولي .. بإصرار ..
أقاوم واقعي المصنوع ..
من قش وفخار ..
أقاوم كل أهل الكهف.. والتنجيم ، والزار ..
تواكلهم ، تآكلهم ، تناسلهم كأبقار ..
أمامي ألف سياف وسياف
وخلفي ألف جزار وجزار …
فيا ربي !
أليس هناك من عار سوى عاري ؟
ويا ربي !
أليس هناك من شغل
لهذا الشرق .. غير حدود زناري ؟؟.




قد يتبع.. 

ولتحميل الكتاب 


قالب تدوينة تصميم بلوجرام © 2014